أحمد بن محمود السيواسي

111

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

حملا ذا كره ، يعني مشقة ( وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ) أي وضعا ذا كره أو حال ذات كره فيه إيماء إلى علة وجوب زيادة الإحسان إليها على الإحسان إلى الأب ( وَحَمْلُهُ ) أي ومدة حمل الولد في بطن أمه ( وَفِصالُهُ ) أي رضاعه لا فطامه عن الرضاع ( ثَلاثُونَ شَهْراً ) لكن لما كان الرضاع يليه الفصال وينتهي إليه ، سمي به بهذه الملابسة ، قيل : أقل مدة الحمل ستة أشهر وغاية مدة الرضاع أربعة وعشرون شهرا لقوله تعالى « 1 » « وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ » « 2 » ، وروي عن وكيع أنه قال : « إذا جاءت بولد لأقل من ستة أشهر لم يلزم الولد للزوج ويفرق بينهما » « 3 » ، ولا رضاع بعد الفصال وتحريم به ، ونزلت الآية في أبي بكر ووالديه « 4 » ، قوله ( حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) يتعلق بفعل مقدر يدل عليه « وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ » ، أي أخذ ما وصيناه حتى إذا بلغ كمال قوته وعقله ، أقله ثلاث وثلاثون سنة وأكثره أربعون سنة فلذا قال ( وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي ) أي ألهمني ( أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ) أي ما أؤدي به شكر نعمتك ( الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ ) بها وهي دين الإسلام ( وَأَنْ أَعْمَلَ ) عملا ( صالِحاً تَرْضاهُ ) أي تقبله مني وهو الصلوات الخمس وغيرها من الفرائض التي عليّ ( وَأَصْلِحْ لِي ) أي هب لي الصلاح ( فِي ذُرِّيَّتِي ) أراد جعل ذريته موقعا للصلاح ومظنة له ، يعني أكرمهم بالإسلام والعمل الصالح فأسلم جميع أولاده ، روي : « أنه لم يكن أحد من الصحابة أسلم هو ووالداه وأولاده غير أبي بكر رضي اللّه عنه » « 5 » ( إِنِّي تُبْتُ ) أي توجهت ( إِلَيْكَ ) بالتوبة على العصيان ( وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) [ 15 ] أي الموحدين المخلصين في دينهم . [ سورة الأحقاف ( 46 ) : آية 16 ] أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ( 16 ) ( أُولئِكَ ) أي الموصوفون بهذه الصفة ، يعني أبا بكر ووالداه وذريته ومن كان مثلهم فيها ( الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا ) هنا ( وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ ) التي فعلوها قبل التوبة ، وقرئ الفعلان بنون المتكلم وبياء مضمومة فيهما مجهولين ورفع « أَحْسَنَ » « 6 » ، قوله ( فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ ) حال ، أي كائنين فيهم أو خبر مبتدأ محذوف ، أي هم في عداد أهل الجنة ( وَعْدَ الصِّدْقِ ) مصدر مؤكد ، أي وعدهم اللّه وعدا صدقا لا خلف فيه ، وقيل : وعد الثواب ( الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ) [ 16 ] وهو الجنة . [ سورة الأحقاف ( 46 ) : آية 17 ] وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 17 ) ( وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ ) المراد منه الجنس وهو مبتدأ ، خبره « أُولئِكَ الَّذِينَ » الآية ، أي الذي قال لأبويه ( أُفٍّ لَكُما ) قرئ بالتنوين وبغيره « 7 » ، وهو صوت لعلم به تضجر الإنسان ، أي بي تضجر منكما ( أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ ) من قبري بعد الموت ( وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ ) أي مضت ( مِنْ قَبْلِي وَهُما ) أي والحال أن والديه ( يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ) تعالى ، أي يدعوانه له بالهدى ويقولان لولدهما ( وَيْلَكَ آمِنْ ) أي ويحك أسلم وصدق بالبعث ( إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ) أي إنه كائن لا محالة ( فَيَقُولُ ) الولد ( ما هذا ) القرآن « 8 » ( إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) [ 17 ] يعني أنتما كاذبان « 9 » . [ سورة الأحقاف ( 46 ) : آية 18 ] أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ ( 18 )

--> ( 1 ) نقل المؤلف هذا الرأي عن البغوي ، 5 / 136 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 5 / 254 . ( 2 ) البقرة ( 2 ) ، 233 . ( 3 ) انظر السمرقندي ، 3 / 232 . ( 4 ) عن مقاتل والكلبي ، انظر السمرقندي ، 3 / 232 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 5 / 136 ؛ والكشاف ، 5 / 254 . ( 5 ) ذكر علي بن أبي طالب نحوه ، انظر البغوي ، 5 / 136 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 5 / 254 . ( 6 ) « نتقبل » ، « أحسن » ، « نتجاوز » : قرأ المدنيان والمكي والبصريان والشامي وشعبة بياء تحتية مضمومة في الفعلين وبرفع نون « أحسن » ، والباقون بنون مفتوحة في الفعلين ونصب نون « أحسن » . البدور الزاهرة ، 295 . ( 7 ) « أف » : قرأ المدنيان وحفص بكسر الفاء منونة ، وقرأ يعقوب وابن عامر وابن كثير بفتحها من غير تنوين ، والباقون بكسرها من غير تنوين . البدور الزاهرة ، 295 . ( 8 ) القرآن ، ح : القول ، وي . ( 9 ) كاذبان ، وي : كاذبين ، ح .